ابو القاسم عبد الكريم القشيري

67

لطائف الإشارات

يناجى ما التفت ؛ أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يمينا وشمالا في التسليم الذي هو التحليل « 1 » . قوله جل ذكره : « فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ » . عندما انقلبت العصا حيّة ولّى موسى مدبرا ولم يعقب ، وكان موضع ذلك أن يقول : حديث أوّله تسليط ثعبان ! من ذا يطيق أوّله ؟ ! . فقيل له : لا تخف يا موسى ؛ إن الذي يقدر أن يقلب العصا حية يقدر أن يخلق لك منها السلامة : « يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ » : ليس المقصود من هذا أنت ، إنما أثبت هذا لأسلطه على عدوّك ، فهذه معجزتك إلى قومك ، وآيتك على عدوّك . ويقال : شتان بين نبيّنا - صلى اللّه عليه وسلم - وبين موسى عليه السلام ؛ رجع من سماع الخطاب وأتى بثعبان سلّطه على عدوّه ، ونبينا - صلى اللّه عليه وسلم - رجع بعد ما أسرى به إلى السماء ، وأوحى إليه ما أوحى - ليوافى أمّته بالصلاة التي هي المناجاة ، وقيل له : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فقال : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 32 ] اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) قيل له : اسلك يدك في جيبك ؛ لأنّ المدرعة التي كانت عليه لم يكن لها كم . وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمّر ، وأن يجدّ ،

--> ( 1 ) التحليل : الإباحة ، والمقصود هنا أنه عقيب التسليم يحل له أن يخاطب الخلق وأن يشتغل بشئ بعد ما تمت مناجاته مع الحق ، تلك المناجاة التي يؤثر القشيري دوامها واستمرارها . ومعلوم أن الصوفية إذا أنهوا صلاتهم يستمرون في الذكر والتأمل دون حدود .